القاسم بن إبراهيم الرسي
271
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
والاهتمام ، في مأكل أو منكح ، أو لعب أو متمرّح ، فعلمه علمها ، وهمته همتها ، فهو مكبّ عليها ، لا يرغب إلا فيها ، ولا تنازعه نفسه إلا إليها ، فلها يجتهد ويشقى ، وبها يدعو ويدعى ، غافلا عما شيب بمحابه فيها من الأذى والمكاره ، غير متّعظ بشيء ولا معتبر ولا متنبه ، وقد يوقن إيقانا ، ويرى بعينه عيانا ، أن ما يحب من دنياه وحياتها مشوب بموتها ، وما يشوبه من دركها مقرون بفوتها ، فكم من مدرك من « 1 » بعد دركه فائت ، وحي بعد حياته مائت ، قد تبدد شمله ، وأعرض عنه أهله ، الذين كان يعدّهم له أحبابا ، ويكد لهم في حياته بجهده اكتسابا ، بما حل من المكاسب أو حرم ، أو حمد من المطالب أو ذم ، وكم قبل موته عنهم ، كان من مسخط له « 2 » منهم ، قليل له شكره ، سيئ له ذكره ، ورثه ما جمع غير شاكر ولا حامد ، يقول : لقد كان فلان غير مهتد ولا راشد ، كما يقول أعدى الأعداء ، وأبعد البعداء ، يعجّب بعض من يجالس بعد موت شخصه ، بما كان يرى من كده قبل موته وحرصه ، وكم كان له قبل موته من خليل حبيب مقارن ، « 3 » أسلمه عند وفاته لموته إسلام البعيد المباين ، ولهى بعده ، بخليل جدّده ! فكأن لم يكن لمن مات « 4 » خدينا ! ولم يعدّه بعد موته قرينا ! بل كم من أب والد ، أو ولد حبيب واحد ، تعزى فسلا ، عمن مات وتولى ، واشتغل من بعده بأشغاله ، وأقبل على ما يعنيه من حاله ، وقال هلك أبي ومات ! أو ذهب ابني وفات ! فما عسيت أن أصنع ؟ ! وهل لي في الجزع منتفع ؟ ! تسهيلا في مصابه لما دهاه ، وتفرغا بمقاله لدنياه ، فهذا في الوالد والولد ، وهما سلالة النفس والجسد ، كما تعلم وترى ، فكيف بغيره من الأمور الأخرى ، من المال والأثاث ، والفكاهات والأعباث ؟ ! وفي الولد رحمك اللّه وفي المال ، ما يقول ذو الكبرياء والجلال ، لمحمد عبده ورسوله ، صلى اللّه عليه وآله : وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ( 85 ) [ التوبة : 80 ] . فجعل
--> ( 1 ) في ( أ ) و ( ج ) : بعد من دركه . وسقط من ( ب ) و ( د ) : من . وما أثبت اجتهاد . ( 2 ) سقط من ( ب ) : له . ( 3 ) في ( ب ) و ( د ) : مقارب . مصحفة . ( 4 ) في ( ب ) و ( د ) : مات إذ مات .